اسماعيل بن محمد القونوي

406

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وعلى هذا فالمقصود منه التوبيخ ) أي التقريع وإنكار الواقع بأن ما وقع منهم ما كان ينبغي أن يقع للعاقل فضلا عن العالم لأنهم ملابسون ما يقتضي خلاف ما ارتكبوه وهو العلم بأنها لا تماثله أصلا وهذا العلم يوجب أن لا يجعلوا له ندا واحدا فضلا عن غير واحد ( والتثريب لا تقييد الحكم وقصره عليه فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف ) التغيير والتقبيح تفعيل من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب إذ التفعيل قد يجيء بناؤه للإزالة كالأفعال فضرب مثلا للتقريع الذي هو يمزق العرض ويذهب بماء الوجه فالمراد بهذا في قوله وعلى هذا كون مفعول تعلمون منويا إذ على تقدير كونه مطرحا لا توبيخ فيه بل تقييد الحكم كما مر توضيحه وفيه مخالفة الكشاف بحسب الظاهر كما عرفت أيضا والحاصل أن المصنف جعل العلم على الوجه الأول مناط « 1 » قوله : فإن العالم أو الجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف تعليل لقوله لا تقييد الحكم لو كان المقصود من هذا الحال تقييد الحكم لكان المعنى لا نهي عن اتخاذ الأنداد حال كونكم جاهلين وهذا فاسد لأن العالم والجاهل القادر على العلم سيان في التكليف بالأمر والنهي وقيد الجاهل بالتمكن من العلم احترازا عن الصبيان والمجانين وإنما قال فعلى هذا أي فعلى الوجه الأخير مع أن الحال مقيدة للحكم على أي وجه كانت لأن العلم على الوجه الأول غير مفارق عنهم ما داموا مكلفين لأنه مناط التكليف لأن العلم المعتد به إنما يكون عند كمال العقل إذ عند عدمه لا تكليف لهم فكأنه انتهوا عن الشرك حال وجود أهلية التكليف فيكم فحينئذ يصح معنى المفهوم المخالف وهو أنه لا تكليف عليكم عند عدم الأهلية له بخلاف الوجه الأخير لأن المقيد للحكم على ذلك التقدير هو تعلق العلم بالمفعول وذلك ليس مناطا للتكليف وإنما المناط نفس العلم لا تعلقه وتعلق العلم بالمفعول قد يفارق عن المكلف مع وجود الأصل الذي هو مناط التكليف فعلى هذا لا يفيد التقييد بالحال معنى صحيحا بالنظر إلى مفهومه المخالف لعدم صحة أن يقال لا تكليف عند عدم التعلق لأن عدم التعلق لا يوجب عدم المتعلق فيؤدي إلى أنه لا نهي عن الشرك عند عدم علمكم بأن الأنداد لا تماثله وهو فاسد لأن معناه لا تكليف عليك بالنهي عن الشرك مع وجود أهلية التكليف فيكم والحاصل أن التقييد بالحال على الأول يفيد أنه لا نهي عن الشرك عند عدم الأهلية للتكليف وهو معنى صحيح وعلى الثاني يفيد أنه لا نهي عنه عند وجود الأهلية للتكليف وهو غير صحيح وهذا الذي ذكره من مفهوم المخالفة إنما هو على أصل الأئمة الشافعية والقاضي رحمه اللّه شافعي المذهب وعندنا المقصود من التقييد بهذه الحال في كلا الوجهين التقريع والتوبيخ لهم على الاشراك به تعالى مع وجود هذا الصارف فيهم وإذا توجه القصد في قيد من قيود الكلام إلى معنى من المعاني يكون ما سواه عن الإرادة بمعزل على ما صرح به صاحب الكشاف حيث قال إذا كان الكلام منصبا لغرض من الأغراض كان ما سواه مطرودا مطرحا .

--> ( 1 ) فيلزم أن لا يكون الصبي والمجنون مكلفا ولا يلزم أن لا يكون البليد والغر الأحمق مكلفا إذ المراد بالعقل الكامل عقل البالغ كما صرح به أئمة الأصول وهذا العقل موجود في البليد والأحمق والمراد بكون العقل مناط التكليف كونه مدخلا فيه بحيث انتفى انتفى التكليف لا أنه مستقل فيه بحيث إنه إذا وجد وجد التكليف وهو ظاهر فاندفع إشكال البعض بأن مجرد العقل ليس مناط التكليف الخ .